أحمد بن سهل البلخي
403
مصالح الأبدان والأنفس
إذا كانت صحيحة ، ولم يكن به علّة ظاهرة ، فإنّه يستمرئ أكلته في أربع وعشرين ساعة ، التي هي تمام دور واحد من أدوار الفلك . والسّنّة العامّيّة في الأكل أن تكون مرّتين في اليوم واللّيلة غدوّا وعشيّا ، وهذا تدبير يصلح للعامّة التي تكثر حركاتهم للتصرّف في المعايش والاشتغال بالصناعات ، فأمّا الملوك وأهل النعمة فلا يكاد يسعهم هذا التدبير لمعنيين : أحدهما : أنّهم لا يتّسعون في صدر النهار للأكل حتى يقضوا أوطارهم من الأشغال السلطانيّة . والثاني : استكثارهم من ألوان « 1 » الأطعمة ؛ فإنّهم إذا استوفوا منها الأكلة ، لم يكد يوجد فيهم من يستمرئ أكلته في يومه حتى يتهيّأ له العود في الطعم . ولذلك صار / الأصلح لهم أن يجعلوا طعامهم أكلة واحدة ؛ ليأخذوا منها حاجتهم ، ثمّ يعقبوه بنومة تعين على هضم الغذاء ، فيغشاهم الليل وقد ذهبت عنهم كظّة الأكل ، وعملت القوّة الهاضمة أكثر عملها ، فيتهيأ لهم الاستمتاع بالسهر ، وإحياء صدر اللّيل بالمؤانسة والمحادثة . وأمّا العامّة فعلى خلاف هذه الصفة ؛ لأنّ طعامهم يخفّ ، وألوانهم تقلّ ، وحركاتهم تكثر ، فيجود هضمهم لحرارة أجوافهم ، فقد يصلح لهم الجمع بين الغداء والعشاء ؛ لأنّ الأكل إذا صار مرّتين غداء وعشاء ، فينبغي أن يخفّف أحدهما ، وأولاهما بالتخفيف الغداء ؛ لئلا يثقل البدن - لكثرة الطعام - ثقلا يمنع من التصرّف والانتشار . وتكون الأكلة المستوفاة في العشاء ؛ لأنّ النوم يتبعه فيعين على الاستمراء ، ولا يتهيّأ أن تستمرئ الطبيعة الغذاء بالنهار ، واستمراؤها إيّاه باللّيل ؛ لأنّ الحرارة الغريزيّة التي في الإنسان تبرز بالنهار إلى / ظاهر الجسد للسهر واستعمال
--> ( 1 ) في ب : الألوان . والصواب من أ .